الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

247

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فذلكة لجملة ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ يس : 49 ] إلى قوله : وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] لأن النفخ مرادف للصيحة في إطلاقها المجازي ، فاقتران فعل كانت بتاء التأنيث لتأويل النفي مأخوذ من وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [ يس : 51 ] بمعنى النفخة ينظر إلى الإخبار عنه ب صَيْحَةً . ووصفها ب واحِدَةً لأن ذلك الوصف هو المقصود من الاستثناء المفرّغ ، أي ما كان ذلك النفخ إلّا صيحة واحدة لا يكرر استدعاؤهم للحضور بل النفخ الواحد يخرجهم من القبور ويسير بهم ويحضرهم للحساب . وأما قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] فتلك نفخة سابقة تقع على الناس في الدنيا فيفنى بها الناس وسيأتي ذكرها في سورة الزمر . ولما كان قوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً في قوة التكرير والتوكيد لقوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [ يس : 51 ] كان ما تفرع عليه من قوله : فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ بمنزلة العطف على قوله : فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [ يس : 51 ] فكأنه مثل وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [ يس : 51 ] و فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ، وإعادة حرف المفاجأة إيماء إلى حصول مضمون الجملتين المقترنتين بحرف المفاجأة في مثل لمح البصر حتى كأن كليهما مفاجأ في وقت واحد . وتقدم الكلام على نظير هذا التركيب آنفا . و جَمِيعٌ نعت للمبتدأ ، أي هم جميعهم ، فالتنوين في جَمِيعٌ عوض المضاف إليه الرابط للنعت بالمنعوت ، أي مجتمعون لا يحضرون أفواجا وزرافات ، وقد تقدم قوله تعالى : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 32 ] في هذه السورة . وقرأ الجمهور بنصب صَيْحَةً . وقرأه أبو جعفر بالرفع على أن « كان » تامة ، وتقدم نظيره في أوائل السورة . [ 54 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 54 ] فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) إن كان قوله تعالى : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ [ يس : 52 ] حكاية لكلام الكفار يوم البعث كان هذا كلاما من قبل اللّه تعالى بواسطة الملائكة وكانت الفاء في قوله : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فاء فصيحة وهي التي تفصح وتنبئ عن كلام مقدّر نشأ عن قوله : فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 53 ] فهو خطاب للذين قالوا : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] . والمعنى : فقد أيقنتم أن وعد اللّه حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم